كلمة صريحة

كلمة للتاريخ
د.محمود بكري

ما قاله وزير خارجية لبنان 'جيران باسيل' خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب السبت الماضي، للرد علي العدوان التركي علي شمال شرق سوريا، هو درس، لمن يريد أن يعرف معني شجاعة القول، وهو كلمة للتاريخ، رأيت أن أنشر بعض ماورد فيها، داعيا الجميع لتأمل كلماتها، ففيها شفاء من كل ما تعانيه أمتنا من آلام، وهذا مضمون كلمة الوزير اللبناني:

'ألم يحن الوقت بعد لعودة سوريا إلي حضن الجامعة العربية؟ ألم يحن الوقت بعد لوقف حمام الدم والإرهاب، وموج النزوح واللجوء؟ ألم يحن الوقت لعودة الإبن المُبعد والمُصالحة العربية - العربية؟

أم علينا انتظار الأضواء الخضراء من كل حدب وصوب؟ إلا الضوء العربي الذي عليه اليوم أن يضيء مشعشعًا كأول رد من الجامعة بوجه العدوان التركي علي أراضِي سورية العربية، كي لا يضيع شمال سوريا كما ضاع الجولان السوري! وكي لا تتقاسمنا القوي، وتستفرد بنا الواحدة بعد الأخري، حتي كأننا ما فهمنا بعد كيف أصابتنا كلنا، الدولة تلو الأخري، بدءًا بلبنان وانتهاءً بسوريا!

شُرِّد الشعب السوري، وهُجّر من منازله وتناثر في العالم كلِه لاجئًا ونازحًا يبحث عن الأمن والأمان، وتدخلت دول العالم كلِه في هذا الصراع، ودفعت دول عربية كلبنان والأردن والعراق أثمانًا باهظة اقتصادية واجتماعية وأمنية، في ظل تورطٍ عربي وتدخلٍ أوروبي وتواطؤ أصحاب المصالح والأطماع، وغضُ نظرٍ البعض وانسحاب البعض الآخر تاركًا الشعب السوري لمصيره، يواجه آلة القتل والنار، فُيقتل الأبرياء باسم المناطق الآمنة، ويُحجز النازحون باسم العودة الطوعية، وتُدمَّر المدن باسم الحل السياسي الذي يريده البعض أن يسبَق ألأمان والعودة وإعادة الإعمار.

نحن مطالبون اليوم بأكثر من إداناتٍ كلامية ومواقفَ إعلامية، نحن مدعوون الآن لأخذ موقف عربي وبالإجماع لعقد قمةٍ طارئة للجامعة وبكامل أعضائِها، تكرس المصالحة وتضع خطط المواجهة لما يُخطَّط لنا، وكل ما هو أقل من ذلك لن يأخذه أحد جديًا ولن يعيره التركي اهتمامًا ولن يردع غير العربي عن المسِّ بنا.

فلا يجوز أن نقبل بعد اليوم أي اعتداء إسرائيلي أو تركي أو من أي جهة أتي علي دولة عربية أو علي شعب عربي، ولا يجوز أن نبقي مللًا وطوائف متناحرة، خائفين من بعضنا البعض ومتوجسين من الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان.

سؤالي هو: ما الذي يمنعنا اليوم من فتح قنوات الحوار مع بعضِنا ومع محيطِنا بحثًا عن سلام داخلي، أو فتح جبهات القتال بحثًا عن سلام خارجي؟ فالجغرافيا أقوي ديكتاتور لا يمكن تغيير ما تفرضه علينا، أما التاريخ فهو أفضل معلَّم يمكن الاستفادة منه أو التغاضي عن دروسه، ولكن لا يمكن أن نضع رأسنا في الرمل ولا نري في الجغرافيا ولا نقرأ في التاريخ. فالحوار الصريح هو الخيار الصحيح، دون أن يظنَ أحدٌ أن في التحاورِ ضَعفًا وهزيمة، ودون أن يظنَ أحدٌ أنَ محادثاتِه السرية سوف تعطيه القوة والنصر، أو تقيه شرَ أعداءِ المنطقة الحقيقيين، ودونَ أن يظنَ أحدٌ أن بإمكانه منفردًا الوصول إلي شاطئ الأمان. فإما أن نعمل معًا ونُنتج منطقة استقرار وطمأنينة وازدهار فنصل معًا، وإلا لن يصلَ أحدٌ، وسوف يتم الاستفراد بنا واحدًا بعد الآخر وسينتج عن ذلك خراب عظيم.. أعظم مما هو حاصل اليوم.

التعليقات
أضف تعليق